الشيخ محمد رشيد رضا
464
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ابن عباس قال في « فتح البيان في مقاصد القرآن » : وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها دون خصوص السبب دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص والاستهزاء للأدلة الشرعية كما يقع كثيرا من اسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة ، ولم يبق في أيديهم سوى : قال امام مذهبنا كذا وقال فلان من اتباعه بكذا . وإذا سمعوا من يستدل على تلك المسألة بآية قرآنية أو بحديث نبوي سخروا منه ولم يرفعوا إلى ما قاله رأسا ، ولا يالوا به بالة ، وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع ، وخطب شنيع ، وخالف مذهب إمامه الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع - بالغوا في ذلك حتى جعلوا رأيه الفائل « 1 » ، واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل ، مقدما على اللّه وعلى كتابه وعلى رسوله ، فإنا للّه وانا اليه راجعون ، ما صنعت هذه المذاهب بأهلها والأئمة الذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم برآء من فعلهم ، فإنهم قد صرحوا في مؤلفاتهم بالنهي عن تقليدهم ، كما أوضح الشوكاني ذلك في « القول المفيد » « وأدب الطلب » اه ويا ليت هؤلاء الذين جعلوا كلام شيوخهم أصلا للدين والكتاب والسنة فرعين أو مهملين يتبعون الأئمة الذين يدعون الانتساب إليهم وهم لا يعرفون هديهم ولا يتبعونهم ، وانما يتبع كل أهل عصر شيوخهم على جهلهم إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ هذا تعليل للنهي اي انكم إن قعدتم معهم تكونون مثلهم وشركاء لهم في كفرهم ، لأنكم أقررتموهم عليه ورضيتموه لهم ، ولا يجتمع الايمان بالشيء واقرار الكفر والاستهزاء به . ويؤخذ من الآية ان اقرار الكفر بالاختيار كفر ، ويؤخذ منه ان اقرار المنكر والسكوت عليه منكر ، وهذا منصوص عليه أيضا . وإن إنكار الشيء يمنع فشوه بين من ينكرونه حتما ، فليعتبر بهذا أهل هذا الزمان ، ويتأملوا كيف يمكن الجمع بين الكفر والايمان ، أو بين الطاعة والعصيان ، فان كثيرا من الملحدين في البلاد المتفرنجة يخوضون في آيات اللّه ويستهزؤون بالدين ، ويقرهم على ذلك ويسكت لهم من لم يصل إلى درجة كفرهم ، لضعف الايمان والعياذ باللّه تعالى
--> ( 1 ) المخطىء الضعيف